خطاب الرئيس زين العابدين بن علي بمناسبة الاحتفال بالذكرى الخمسين للاستقلال

بسم الله الرحمان الرحيم

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

في هذا اليوم الأغر تحتفل بلادنا بمرور خمسين سنة على استقلالها، تحتفل بذكرى خالدة، ومناسبة وطنية مجيدة، نحييها بكامل النخوة والاعتزاز، ذكرى يوم تاريخي عظيم تخلصت فيه تونس من الاستعمار، واستعادت سيادتها. فكان ذلك اليوم تتويجا رائعا لكفاح شعبنا الأبي من أجل الحرية والعزة والكرامة.

إن احتفالنا بخمسينية الاستقلال، تأكيد متجدد لوفائنا الدائم لدماء الشهداء وتضحيات المقاومين والمناضلين، وهو احتفال نستحضر فيه مآثر شعبنا وأمجاده الناصعة، معتزين بتاريخنا النضالي وبذاكرتنا المجيدة، التي تنهل منها الأجيال المتلاحقة معاني التعلق بتونس، والولاء لها دون سواها.

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

لقد كان الاستقلال ثمرة كفاح شعبي طويل، انطلقت شرارته الأولى منذ وطأت أقدام الاستعمار أرض تونس في جبال خمير، فتصدى لجيوشه منذ اللحظة الأولى وطنيون أحرار في جبل ماكنة، بكل ما لديهم من سلاح وشجاعة. وكان صمودهم ملحمة متواصلة عبر سائر الجهات، لم تتوقف على امتداد خمس وسبعين سنة، قدم فيها الشعب التونسي أغلى التضحيات وأروع البطولات.

إنها ملحمة غذاها وعي وطني جذوره نابعة من حركة الإصلاح التونسية، شاركت فيها مختلف فئات الشعب وكل القوى الوطنية، وتمازجت فيها النخب بالجماهير، واضطلع فيها الحزب الحر الدستوري التونسي بدور قيادي رائد في جميع المراحل، إلى جانب المنظمات الوطنية العتيدة والوطنيين الأبرار من كل المشارب.

وإذ نستحضر اليوم بعميق الإجلال تضحيات الأجيال المتلاحقة من الشهداء الأبرار والمقاومين والمناضلين، مترحمين على أرواحهم الزكية، فإننا نعبر عن عظيم تقديرنا لزعماء الكفاح وقادته، وإكبارنا لما تحلّوا به من وطنية صادقة، وإقدام على البذل والتضحية، وتحمل الاضطهاد وعذاب المنافي والسجون، فكانوا خير تعبير عن ضمير الشعب والوطن، وفي مقدمة الجميع الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، رائد الحركة الوطنية وأول رئيس للجمهورية.

كما نعرب عن كبير التقدير لأجيال الاستقلال رجالا ونساء، ممن ساهموا في إرساء دعائم الدولة الحديثة، وقدموا بدورهم جليل الأعمال في مسيرة البناء والخروج من التخلف بروح نضالية وإصرار كبير على تحدي الصعوبات. فنالهم بذلك شرف تدعيم مقومات الاستقلال والسيادة الوطنية، مثلما نال الذين من قبلهم شرف الكفاح والنضال وتحرير البلاد واسترجاع كرامتها.

وإذ نحيي، من هذا المنبر كافة المقاومين والمناضلين الذين يواصلون اليوم معنا مسيرة التغيير، فإننا نؤكد تقديرنا الدائم لهم وإحاطتنا بهم، وإكبارنا لمكانتهم ولما بذلوه من جهود في خدمة الوطن، فهم قدوة لأجيالنا الناشئة. ونعلن في هذه المناسبة قرارنا بالترفيع مجددا في المنحة المخصصة للمقاومين.

وهي كذلك فرصة نتوجه فيها بالتقدير والشكر إلى الشعوب والبلدان الشقيقة والصديقة ومختلف حركات التحرير في العالم التي وقفت في تلك الفترة إلى جانب القضية التونسية وساندتها في المحافل الأممية والدولية.

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

إن الوفاء لإنجازات السابقين إنما يكون بإثرائها وتعزيزها. فالاستقلال أمانة تتوارثها الأجيال المتعاقبة. وقد أقدمنا على إنجاز تحول السابع من نوفمبر 1987، وفاء لدماء الشهداء، وصونا لحرمة الوطن وأمجاده، وإنقاذا للبلاد مما بلغته من ضعف ووهن، وما بات يتهددها من مخاطر كادت تعصف بكيانها، وتذهب بمكاسبها، وتجعلها من جديد عرضة للطامعين.

إنه تغيير من أجل تونس واستقلالها وسيادة شعبها، أردناه إنقاذا للمكاسب، وارتقاء بها إلى ما يحقق طموحات الشعب و ماله. ونحن نعمل في إطار رؤية إصلاحية شاملة، ومقاربة متطورة لتقدم البلاد ومناعتها، فالاستقلال اليوم يشمل المناعة الاقتصادية ودعم تماسك المجتمع، وتكريس إرادة الشعب في ظل دولة القانون وقيم الجمهورية ومؤسساتها، وعلى أساس ثوابت هوية وطنية راسخة الجذور في ثقافتنا العريقة.

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

إن مناعة شعبنا تقوى بعمق وعيه بأبعاد الاستقلال وتشبثه بحرية إرادته وحرص أبنائه وبناته على رفع التحديات والرهانات المطروحة بكل وطنية ومسؤولية وحب لتونس، تونس التي تبقى فوق كل اعتبار، تونس التي نريدها دوما للجميع ونبنيها بجهود الجميع.

وقد بادرنا منذ فجر التغيير بإصلاحات عمقناها في كل مرحلة، لبناء مجتمع الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان، واعتمدنا مسارا ثابتا طورنا من خلاله الحياة السياسية، ووسعنا نطاق المشاركة أمام الأحزاب لتسهم في ترسيخ التعددية، ومكنا مختلف الألوان السياسية والفكرية من الاضطلاع بدورها في العمل الوطني. وهو تنوع نعتبره مصدر ثراء لتقدم البلاد تدعم في المدة الأخيرة ببروز حزب جديد هو حزب الخضر للتقدم.

وبلغنا بهذا المسار مرحلة متقدمة، جسمها الدستور الجديد الذي أرسى أركان جمهورية الغد، وكرس إرادة الشعب وعزز سيادة البلاد وعمق ثوابتنا الوطنية.

كما فسحنا سبل العمل أمام المنظمات الوطنية العتيدة ومكونات المجتمع المدني لتضطلع بدورها في الحياة العامة.

إنه منهج سلكناه بإرادة قوية وعزم راسخ، وسنواصل التقدم فيه بثبات، مؤمنين بأن الديمقراطية التزام بالثوابت الوطنية وولاء لتونس وتنوع للمقاربات، وتعدد للبرامج والبدائل، في ظل احترام حق الاختلاف وحماية الحريات والحقوق.

إن شرف الانتماء إلى هذه الأرض الزكية يقتضي من كل أبنائها وبناتها في الداخل والخارج، أيا كانت مشاربهم، أن يتفانوا في خدمة الوطن، وأن يرعوا حرمته، وأن تظل تونس عندهم دائما في القلب والعقل.

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

إن التبعية الاقتصادية تنال من سيادة البلدان ومن حرية قرارها، وتجعل استقلالها دون أساس أو سند. لذلك عملنا على النهوض باقتصادنا الوطني، وتعهدناه بالتأهيل اللازم لتيسير اندراجه في الدورة الاقتصادية العالمية حتى يكون ركيزة قوية للتقدم والازدهار، يعزز مكانة تونس في العالم ويعلي من شأنها بين الأمم.

وقد مرت خمسون سنة منذ الاستقلال تحققت فيها لتونس مكاسب كبرى، مكنتها من الارتقاء إلى مصاف الدول الصاعدة مثلما تؤكد ذلك جل المؤشرات وتقويمات المؤسسات الدولية، وآخرها تحاليل وكالات الأمم المتحدة المتخصصة بشأن تطور الناتج المحلي، والتي أقرت بأن مرتبة تونس اليوم هي ضمن العشرين بلدا الأوائل في العالم من حيث نسق النمو الاقتصادي، وبأنها مؤهلة بفضل ما سجلته من نتائج طوال العشرية الماضية للحاق سنة 2009، بكوكبة البلدان ذات المؤشر الأعلى للتنمية البشرية.

إنها مرتبة وفقنا الله إلى بلوغها بفضل ما اعتمدناه من إصلاحات عميقة، وبفضل رهاننا على نضج شعبنا وذكاء أبنائه وبناته، وحيوية مكوناته، وجدية قواه العاملة، وثراء نخبه ومثقفيه.

فمعارك اليوم ليست معارك الأمس، والغلبة فيها لا تكون إلا لمن امتلك ناصية العلوم والمعارف وسلك سبيل الابتكار والإبداع والإضافة، وأحكم السيطرة على التكنولوجيات الحديثة.

وقد رسمنا لبلادنا من خلال برامجنا المتوالية وآخرها برنامجنا لتونس الغد، هدفا طموحا، للحاق بركب البلدان المتقدمة.

وعملنا على غرس مقومات مجتمع المعرفة الذي قطعنا أشواطا مهمة نحو استكمال بنائه، سعيا منا إلى تأمين حاضر تونس ومستقبلها، وحرصا على أن تظل بلادنا منارة للعلم والمعرفة. وقد ضربنا بذلك البرنامج موعدا لشعبنا مع التاريخ ومع الحداثة والرقي.

ولم ندخر سبيلا لتعبئة كل طاقات شعبنا، معولين على كافة أبنائه وبناته، لتحقيق ما نريده لتونس من رفعة وسؤدد.

وما مراهنتنا على المرأة إلا تكريس لهذا الحرص، وتأكيد لإيماننا بدورها الفاعل في النهوض بالبلاد، والمساهمة في تحقيق الأهداف المرسومة.

وقد سارعنا غداة التغيير، بدعم مكاسبها وإثرائها وتطوير منزلتها، ووقفنا بحزم أمام تيارات الردة والرجعية، حتى تبقى المرأة قوة دفع إلى الأمام باستمرار.

وبعد مرور خمسين سنة على صدور مجلة الأحوال الشخصية بمبادرة تاريخية من الزعيم الحبيب بورقيبة، فإننا نؤكد مجددا حرصنا على المضي قدما في دعم المساواة بين المرأة والرجل. تلك المساواة التي أصبحت واقعا ملموسا غير قابل للتراجع بفضل السياسات الإرادية التي انتهجناها والإصلاحات النابعة من إيماننا الشخصي ومن مبادئ ثبتناها في دستور البلاد.

فقد جعلنا من شراكتها مع الرجل في الأسرة وفي المجتمع أمرا محسوما بشكل نهائي، ومن تحملها للمسؤوليات العامة وحضورها في مواقع القرار، حقيقة لا جدال فيها.

وبقدر ما نعتز بالمرأة التونسية ووعيها ووطنيتها ونضالها وبدورها في الكفاح ضد الاستعمار وبإسهامها في حركة التنمية، فإننا نعتز بالنموذج التونسي الفريد في هذا المجال بالنسبة إلى محيطنا الحضاري والاجتماعي.

إنه لا معنى لدينا لحقوق الإنسان إذا بقيت حقوق المرأة منقوصة، ولا معنى للتقدم والازدهار والإصلاح والتطوير إلا بالمرأة.

ونحن ندعو المرأة التونسية إلى مضاعفة جهودها حتى تكون في مستوى الآمال المعلقة عليها، والمسؤولية الموكولة إليها في بناء مستقبل تونس. فهي اليوم في طليعة قوى الإصلاح والتغيير، وحصن من حصون مناعة البلاد، ووجه مشرق يجسم الحرية والتقدم والحداثة.

وإذ أقررنا في برنامجنا لتونس الغد تمكين الأم من العمل نصف الوقت متى رغبت في ذلك مع تقاضي ثلثي أجرها، والحفاظ على حقوقها كاملة في التغطية الاجتماعية والتقاعد، فإننا نعلن إصدار القانون المنظم لقرارنا في الفترة القريبة القادمة، على أن يبدأ العمل به ابتداء من غرة جانفي 2007.

وإذ تحتفل بلادنا غدا بعيد الشباب تواصلا لاحتفالها اليوم بذكرى الاستقلال، فإن في ذلك خير ما يجسم واجب الأجيال الجديدة في الذود عن مكاسب الوطن، وخدمة مصالحه، اقتداء بالأجيال السابقة، التي ضربت أروع الأمثلة في التضحية والنضال من أجل تحرير البلاد.

لقد كان الشباب وسيظل طليعة شعبنا، ومظهر عنفوانه، ورمز مستقبله الواعد.

إننا نريد لشبابنا أن يكون في صميم العصر، مدركا لرهاناته، مؤهلا لكسبها متشبثا بهويته وبمقومات شخصيته الوطنية، قادرا على المنافسة في أرقى مدارات العلم والمعرفة، وفي ميادين الثقافة والفن والإبداع والرياضة، وفي سائر مجالات الحياة.

وقد بذلنا جهودا كبرى في تعويده على تحمل المسؤولية وفسحنا أمامه المجال رحبا للتعبير عما يخالج فكره ووجدانه من طموحات وتطلعات. فأذنا بالإصغاء إليه، وجعلنا من الاستشارة الشبابية عملية دورية تسبق إعداد المخططات التنموية، وتتيح لمئات الآلاف من شباب تونس أن يعبروا عن آرائهم، ويقدموا توصياتهم ومقترحاتهم، حتى نستأنس بها في صياغة تلك المخططات.

وإننا نسجل بارتياح ما حققته الاستشارة الشبابية الثالثة من نجاح كبير من خلال ما أسفرت عنه من نتائج، أبرزت خصال شبابنا وإلمامه بقضايا العصر ووعيه بمسؤولياته، ونحن نوصي باعتماد نتائج هذه الاستشارة الشبابية الثالثة في إعداد المخطط الحادي عشر للتنمية وفي ضبط برامجه وأهدافه.

إن التشغيل يبقى دائما في صدارة أولوياتنا. وقد دعونا كل أطراف المجتمع إلى إيلاء هذا الموضوع أكبر الاهتمام، وإلى الإسهام في إيجاد الحلول المناسبة له. وسخرنا هياكل الدولة وأجهزتها للعمل من أجل دعم التشغيل وتوسيع آفاقه. واتخذنا من المبادرات والإجراءات ما مكّن من تقليص نسبة البطالة إلى حوالي 14%.

وسنعمل من خلال برنامجنا والتوجهات التي سنعتمدها في المخطط الحادي عشر للتنمية، على أن تكون العشرية القادمة 2007-2016 فترة حاسمة على درب التنمية الشاملة والارتقاء إلى مصاف الدول المتقدمة، بما يمكّن من كسب رهان التشغيل والتقليص من نسبة البطالة بأربع نقاط أخرى مع موفى العشرية.

وسنوجه اهتمامنا إلى حاملي الشهادات العليا الذين ستتزايد أعدادهم بنسبة كبيرة، بفضل نتائج إصلاح التعليم والتكوين في كل مستوياته، وسندعم قدراتهم على المبادرة وبعث المشاريع بإثراء الآليات والتشجيعات الموجودة، ودفع الاستثمار والتصدير.

ولكي نزيد في توسيع أبواب الأمل المفتوحة أمامهم، نعلن قرارنا بتعديل التراتيب القانونية لمناظرات الانتداب الوطنية، بما يمكن حملة الشهائد من المشاركة فيها حتى سن الأربعين.

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

إن السنوات العشر القادمة ستشهد مزيد البذل والعمل والاجتهاد. وقد رسمنا لها جملة من الأهداف الاستراتيجية التي ترقى إلى مستوى طموحات شعبنا، وفي مقدمتها مضاعفة الدخل الفردي مرتين ليبلغ سنة 2016 ثمانية آلاف دينار، ومضاعفة شبكة الطرقات السيارة ثلاث مرات، ودعمها ببنية أساسية اتصالية متطورة قادرة على مواكبة بناء مجتمع المعرفة، وفسح المجال أمام تطور القطاعات الواعدة ذات المحتوى المعرفي العالي، لترتفع حصتها من الناتج المحلي الإجمالي من 20%حاليا إلى 35% سنة 2016.

وفي هذا السياق، نعلن قرارنا باعتماد شبكة متطورة للانترنات ذات السعة العالية، من خلال التكنولوجيات الجديدة "الانترنات اللاسلكي عريض النطاق" بما يتيح تطور الارتباط بالشبكة وسرعة النفاذ إليها بالنسبة إلى الجميع، ويمكن من دفع النشاطات الرقمية المتنقلة. وهو ما سيساعد على الارتقاء بالخدمات عن بعد في مجالات الإدارة والتعليم وفي معاملات المؤسسات وفي الأنشطة الاقتصادية المستحدثة عامة مما سيحسّن من مردود العمل في سائر الميادين ويحدث نسقا جديدا من النمو والتوسع في المنظومة الاتصالية للعمل عن بعد في كل الأماكن بما في ذلك المناطق الريفية وأكثر المواقع بعدا عن المدن.

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

إن دعم الانتاج وتعزيز القدرة التنافسية لمؤسساتنا هي من أوكد أولوياتنا، وقد كنا أعلنا في برنامجنا لتونس الغد عن جملة من التوجهات لتطوير المنظومة الجبائية بما يسهم في تخفيف العبء على المؤسسة والتخفيض من نسب الأداءات والمعاليم المرتفعة الموظفة على بعض السلع.

وفي هذا الإطار نعلن قرارنا بالتخفيض في نسبة الضريبة على أرباح الشركات باستثناء بعض القطاعات من 35% إلى 30% مع مواصلة العمل بالامتيازات والحوافز الجبائية لفائدة الاستثمار وخاصة بمناطق التنمية الجهوية.

كما نعلن في نفس السياق قرارنا بإلغاء النسبة العليا للأداء على القيمة المضافة أي 29% الموظفة حاليا على بعض أصناف السلع، وقرارنا بالترفيع في نسبة إرجاع فائض الأداء على القيمة المضافة من 50% إلى 100% واعتماد صيغ تفاضلية لفائدة المؤسسات الجديدة، مع اتخاذ الاجراءات الملائمة لضمان توازن النسب الجبائية ونجاعتها.

ولأن التصدير يبقى من الدعائم الأساسية لتأمين نسق تنموي يتلاءم مع أهدافنا، فإننا نأذن باعتماد نظام جبائي نهائي يوضح الرؤية أمام المستثمرين على المدى الطويل ويحفز على استقطاب الاستثمار. ونحن نعلن في هذا السياق عن إقرار ضريبة على الأرباح المتأتية من عمليات التصدير الجزئي أو الكلي بنسبة منخفضة تساوي 10% تطبق على الأرباح والمداخيل المتأتية من التصدير ابتداء من غرة جانفي 2008، مع مواصلة الإعفاء الكامل بالنسبة إلى الشركات التي تتمتع به بمفعول النظام الحالي.

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

لئن حرصنا على إعطاء المؤسسة المنتجة المقومات الضرورية للرفع من نجاعتها ودعم قدرتها التنافسية، فإننا نؤكد أهمية اضطلاع كل مواطن ومواطنة بأداء الواجب الجبائي على أساس المداخيل الحقيقية وطبقا لما اقتضاه القانون.

وتيسيرا للمواطن للقيام بهذا الواجب على الوجه الأكمل وتكريسا لمصالحته مع الجباية، نعلن قرارنا بسن عفو جبائي شامل يتم بمقتضاه التخلي تماما عن المبالغ التي لا تتجاوز 100 دينار والإعفاء التام من خطايا المراقبة وفوائد التأخير، شريطة دفع الأصل فيما تجاوز هذا المبلغ. كما نعلن قرارنا بالتخلي عن مبالغ الخطايا والعقوبات المالية التي لا تفوق 100 دينار وطرح 50% بالنسبة إلى ما زاد على ذلك المبلغ.

ونأذن في هذا الإطار أيضا باعتماد نفس التمشي بالنسبة إلى المعاليم الراجعة للجماعات المحلية، وذلك بإعفاء المواطنين الذين يقومون بتسديد هذه المعاليم بعنوان سنة 2006، بطرح 50% من المبالغ المتخلدة بذمتهم بعنوان السنوات السابقة.

ونعلن في نفس السياق قرارنا بحذف المعلوم الموظف على الهوائيات والمتخلدات المرتبطة به.

ونحن نأمل أن تكون هذه الإجراءات منطلقا لمرحلة جديدة قوامها مزيد الثقة بين المواطن والجباية. ونأذن باتخاذ الإجراءات المناسبة لضمان تطبيق القوانين والإجراءات الجبائية على أساس الموضوعية والإنصاف من جهة، وبما يساعد من جهة أخرى على التصدي بحزم ونجاعة لكل مظاهر التهرب الجبائي.

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

لقد بوأنا التنمية الجهوية مكانة خاصة ضمن الأولويات الوطنية وسياساتنا التنموية، في إطار مقاربة تضامنية بين المناطق والفئات، بما مكن من تعزيز البنية الأساسية ودعم التجهيزات الجماعية وتنويع القاعدة الاقتصادية. فضلا عن تحقيق نسب قياسية في مجال تحسين ظروف العيش.

ودعما لمقومات التنمية بالجهات والمناطق ذات الأولوية، بما يستجيب لخصوصيات طالبي الشغل بها، نأذن بتخصيص 500 مليون دينار خلال العشرية المقبلة لتنفيذ البرنامج الجديد للتنمية المندمجة الذي ستشمل تدخلاته المناطق البلدية وغير البلدية، مع الحرص على تشريك الفئات المستهدفة ومكونات المجتمع المدني في تصور البرنامج وإنجازه وإعطاء الأولوية إلى المعتمديات الداخلية.

إن أهدافنا التنموية الطموحة والمسار الذي رسمناه لتونس لبلوغ مراتب البلدان المتقدمة، ستكون الخطوط الأساسية في رسم توجهات المخطط الحادي عشر للتنمية وصياغة مشاريعه. ونحن نأذن بانطلاق الاستشارات الإقليمية والوطنية حول هذا المخطط حتى نتيح الفرصة أمام جميع الأطراف للمشاركة في رسم معالمه ووضع برامجه.

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

إن السلم الاجتماعية شرط أساسي لتحقيق التنمية الشاملة، لذلك عملنا على توفير مناخ اجتماعي تسوده روح التفاهم والتضامن. وحرصنا على تسهيل مهمة هياكل الحوار داخل المؤسسة حتى تنهض بدورها على الوجه الأمثل.

وقد أمنا الحماية اللازمة لهذه الهياكل ولسائر الهياكل الممثلة للعمال بالمؤسسات، في إطار ما تكفله قوانين الشغل واتفاقيات العمل الدولية التي صادقت عليها تونس، والتي بلغت 75 اتفاقية منذ الاستقلال ومنها الاتفاقيات الثمانية المتعلقة بالحقوق الأساسية وبالحق النقابي.

وإذا كانت الحماية مضمونة في مجلة الشغل لفائدة ممثلي العمال باللجنة الاستشارية للمؤسسة ونواب العملة، ومتوفرة كذلك لفائدة النواب النقابيين ضمن عديد الاتفاقيات المشتركة والأنظمة الأساسية، فإننا نأذن انسجاما مع هذا المبدإ الذي أقره التشريع التونسي، بالمصادقة على اتفاقية العمل الدولية رقم 531 بشأن توفير الحماية لممثلي العمال في المؤسسات.

ونحن واثقون بأن ما يميز الأطراف الاجتماعية من تقدير عال للمصلحة الوطنية وما يحدو الاتحاد العام التونسي للشغل وسائر الشغالين وكذلك الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وسائر أصحاب المؤسسات، من حرص على الوفاق، ووعي بالتحديات المطروحة، سيمكنهم لا شك من تأمين حقوق الجميع، وترسيخ التكامل الإيجابي بين أطراف الإنتاج، في إطار التعامل الحضاري والوعي العميق بمقتضيات المرحلة، وبما يعزز التوازن المنشود بين حماية ممثلي العمال من ناحية، والرفع من كفاءة المؤسسات الاقتصادية وقدرتها على مواجهة التحديات من ناحية أخرى.

لقد أحطنا دائما العمال الذين تتعرض المؤسسات المشغلة لهم إلى صعوبات اقتصادية أو فنية برعاية خاصة. وأذنا منذ سنة 2001 بسحب الإحاطة الاجتماعية المخولة للعمال المفصولين عن العمل لأسباب اقتصادية أو فنية على العملة المتضررين إثر الغلق الفجئي وغير القانوني للمؤسسات التي تشغلهم، وذلك بالتكفل بمنح المغادرة والمستحقات القانونية الراجعة لهم، مع الحفاظ على التغطية الصحية والمنح العائلية لفائدتهم لمدة سنة، بالإضافة إلى آليات التكوين وإعادة الإدماج.

وتعزيزا لمنظومة الإحاطة بهذه الفئة من العمال، نأذن بالترفيع في المدة القصوى للمنحة المخولة لهم من ستة أشهر إلى اثني عشر شهرا، كما نأذن بتبسيط شروط وإجراءات الانتفاع بها وبسائر آليات الإحاطة.

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

إن الرهان الثقافي والحضاري في عالم اليوم لا يقل أهمية عن سائر الرهانات المطروحة. وإن ما تشهده البشرية في هذا الطور من تاريخها من عولمة للثقافة، وتنميط لأشكالها، أصبح يهدد الثقافات الهشة والحضارات الضعيفة بالتلاشي والذوبان. ولا سبيل إلى رفع هذا التحدي الكبير إلا بتحصين الثقافة الوطنية، ودعمها، وإثرائها، ومزيد نشرها والتعريف بها على أوسع نطاق.

وما حرصنا على ضمان حرية الفكر والتعبير والإبداع، وعنايتنا الشاملة بالثقافة، وإحاطتنا بالمثقفين والمبدعين وتشجيعهم، إلا إدراك منا لأهمية هذا الرهان المصيري.

فلا سيادة لشعب بدون ثقافة فاعلة راسخة الهوية، ولا حضور لشعب على الساحة الدولية بدون ثقافة مبدعة ومشعة.

وسعيا منا إلى مزيد الحفز على الإبداع والإنتاج في مختلف المجالات الثقافية والفنية والفكرية، نعلن قرارنا بإرساء نظام جديد، تحت عنوان »رخصة مبدع، يمكن المبدعين والمثقفين الأجراء في القطاع العمومي والمنتجين لأعمال فنية في مختلف المجالات، من رخصة خالصة الأجر للتفرغ لنشاطهم الإبداعي، لمدة ستة أشهر يمكن تجديدها شريطة وجود إنتاجهم الإبداعي وتواصله. كما ندعو القطاع الخاص إلى مزيد تشجيع المبدعين ورعايتهم وتبني الموهوبين منهم.

وإذ نعتبر أبناء تونس في الخارج جزءا لا يتجزأ من كياننا، ورافدا أساسيا لمسيرتنا، وجسرا للتواصل الحضاري مع غيرنا من شعوب العالم، فإننا نؤكد دائما أهمية دورهم في تعزيز مناعة الوطن وترسيخ مكاسبه وإثراء إنجازاته، من خلال التعريف بخياراته وتوجهاته، ونشر الصورة الحضارية الناصعة لبلادنا لدى غيرنا من الشعوب، والدفاع بكامل الإخلاص والوطنية عن سمعة تونس وحرمتها ومصالحها.

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

إننا أحرص ما نكون على إعلاء شأن تونس بين الأمم، وهو ما نعمل على تحقيقه من خلال ثوابت سياستنا الخارجية، وتمسكنا بمبادئ الحرية والأمن والسلم والعدل في العالم، ودعوتنا إلى بناء علاقات دولية جديدة قوامها التضامن بين الأمم والشعوب واحترام الشرعية الدولية، والحوار والتفاهم بين الثقافات والحضارات والأديان.

وفي إطار هذه الثوابت، نؤكد مجددا دعمنا الثابت للقضية الفلسطينية وتضامننا مع الشعب الفلسطيني الشقيق. ونجدد دعوتنا إلى المجموعة الدولية وإلى كل الأطراف الفاعلة وعلى رأسها اللجنة الرباعية، إلى مواصلة الجهود الهادفة إلى إحلال السلام العادل والدائم والشامل في الشرق الأوسط، بما يمكن الشعب الفلسطيني الشقيق من استعادة حقوقه الوطنية المشروعة وإقامة دولته المستقلة.

كما نتطلع إلى أن يتمكن العراق الشقيق من تحقيق الوفاق والوحدة الوطنية بين سائر مكونات شعبه، حتى يتفرغ للإعمار والتنمية في ظل الاستقرار والطمأنينة.

وسنواصل السعي مع أشقائنا قادة دول المغرب العربي، إلى توطيد التعاون والتضامن والتكامل بين شعوبنا، بما يعطي الدفع المنشود لعملنا المغاربي المشترك في جميع الميادين.

نحن حريصون كذلك على تكثيف الجهود لتعزيز العمل العربي المشترك، من أجل تأمين المناعة والرقي لأمتنا.

وستستمر تونس في مساندتها لكل المساعي الخيرة لدعم حوار الحضارات والأديان، تكريسا للأمن والسلم الدوليين. كما ستواصل الجهود في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي، من أجل نشر مبادئ الاعتدال والوسطية، ونبذ التطرف والعنف.

أما على المستوى الإفريقي، فنحن نحرص على الدفاع عن مصالح قارتنا وتحقيق تطلعات شعوبها إلى مزيد التعاون والتضامن فيما بينها وإلى الاندماج في الاقتصاد الدولي والاستفادة من مستجدات العصر وفرص المستقبل.

وإننا نولي علاقاتنا مع الفضاء الأوروبي والمتوسطي أهمية بالغة لما لها من أبعاد استراتيجية. ويتقدم الحوار بيننا باطراد حول سبل الارتقاء بهذه العلاقات إلى أفضل مستويات التعاون والتكامل التي تساعدنا على دعم مسيرتنا التنموية في كامل الميادين.

كما نولي من ناحية أخرى اهتماما كبيرا لعلاقاتنا العريقة مع بلدان القارتين الأمريكية والآسياوية القائمة على أسس الحوار والتشاور والتعاون. ونحن حريصون على تعزيز هذه العلاقات وتنمية التبادل الاقتصادي والتجاري مع هذه البلدان بما يخدم مصالحنا المشتركة.

إن ما تحظى به بلادنا من احترام وتقدير وثقة على الساحة العالمية جعلت من تونس عاصمة دولية للقاءات حول كبريات القضايا المطروحة، مثلما أهلها لاحتضان أضخم التظاهرات الإقليمية والدولية، وأبرزها القمة العالمية حول مجتمع المعلومات التي التأمت بها في شهر نوفمبر الماضي، وسجلت بشهادة الجميع ما أردناه لها من نجاح باهر على جميع المستويات.

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

إننا على قدر سعينا إلى الارتقاء بحاضر بلادنا نعمل من أجل غدها الزاهر وضمان مستقبل أجيالها القادمة.

وهو ما نتفانى في تحقيقه بما نعتمد من خطط استشرافية ومقاربات استراتيجية نستبق بها التحولات ونعد العدة لرفع التحديات المرتقبة وكسب الرهانات القادمة.

وإن ما نقدمه من تضحيات، إنما هو من أجل تونس دون سواها، حبا لها، وإخلاصا لشعبها، ووفاء لتاريخها وأمجادها، وتعلقا بعزتها وكرامتها.

ولا يثنينا عن الاضطلاع بهذه الأمانة المقدسة أي عائق، إذ أن ثقة شعبنا بسياستنا وخياراتنا وطموحنا المتجدد إلى مزيد التقدم بتونس بخطى ثابتة على درب الرقي والازدهار يجعلاننا ننظر إلى المستقبل بكل همة وتفاؤل، تجسيما لقول شاعرنا الفذ أبو القاسم الشابي :

إذا طمحت للحياة النفوس فلا بد أن يستجيب القدر

عاشت تونس مستقلة حرة منيعة أبد الدهر.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.